السيد عباس علي الموسوي
12
شرح نهج البلاغة
( له الإحاطة بكل شيء ) وإحاطته بالأشياء علمه بها قبل وجودها وبعد وجودها من المجرة إلى الذرة وفي التنزيل قوله : أَلا إنِهَُّ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ . . . . ( والغلبة لكل شيء ) فهو المسيطر على الأشياء كلها وهي طوع إرادته ، وبإرادته التكوينية تكون وبعد وجودها هو المسيطر عليها والموجه لها والذي يضعها مواضعها لا تخرج عن إرادته ولا تتمرد على مشيئته . . . . ( والقوة على كل شيء ) له القوة على كل شيء يستطيع إفناؤه كما يستطيع إبقاؤه وقدرته بالنسبة إلى الأمرين على حد سواء فلا يعجزه شيء في السماء ولا في الأرض . . . ( فليعمل العامل منكم في أيام مهله قبل إرهاق أجله ) هذا هو بيت القصيد وإليه سيقت المقدمة وقد أمر بالعمل للقادر منا في أيام الحياة ومدة البقاء فإن الإنسان في سعة قد أخر اللّه له الأجل وتركه في أيام عمره الطويلة ليؤدي ما عليه أما إذا حل الأجل وسقط الموت عليه انقطع عندها العمل ولم يعد للسعي محل . . . فالعمل في دار الدنيا فإذا حضر الموت ارتفع التكليف وبطل العمل . . . ( وفي فراغه قبل أوان شغله ) ويمكن للإنسان أن يعمل ويجد ويجتهد في حال الحياة التي هي حالة الفراغ فلا يشغله احتضار ولا تمنعه آلامه ومصائبه أما وإنه إذا حلّ الموت فإنه يمنع الإنسان عن العمل ويشغله بما يصيبه من ألم وعذاب . . . ( وفي متنفسه قبل أن يؤخذ بكظمه ) قبل أن يأتيه الموت بضيقه المانع من تنفسه فليأخذ في وقت راحته وفرصته قبل تلك الساعة الصعبة الحرجة الضيقة . . . ( وليمهد لنفسه وقدمه ) يعمل عملا ترتاح إليه نفسه فيما بعد كما قال تعالى : وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ بأن يعمل الصالحات ويجتنب المحرمات ويستعد للقاء اللّه وحكمه . . . ( وليتزود من دار ظعنه لدار إقامته ) يعمل كل واحد وهو في هذه الدار الراحل عنها وهي الدنيا إلى الدار الخالد فيها وهي الآخرة . . . ( فاللهّ اللّه أيها الناس فيما استحفظكم من كتابه واستودعكم من حقوقه ) أغراهم بتقوى اللّه الذي وكلهم في حفظ كتابه وحفظه إنما يكون بالعمل به وتنفيذ حكمه كما أوصاهم بالقيام بما ائتمنهم عليه من أحكامه وهي واجباته ومحرماته . . . ( فإن اللّه سبحانه لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدى ) لم يخلق اللّه هذا الإنسان